علي بن أحمد المهائمي
574
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
تحصل منه صورة في مرآته ؛ لأنه أجل من أن تدركه نفوسا ، وتعقله أذهانا ، ويتخيله خيالنا ؛ ( فهو غني عن العالمين ) فلا يظهر في شيء حتى يكون له صورة في النفس ، وإنما يظهر في ضمن الأسماء ، وإن كان قد يكون مغلوبا بحيث لا يلتفت إليه ، والثاني نظرك ( من حيث الأسماء الإلهية ، فذلك الوقت تكون ) هذه المرآة الواحدة الإلهية بظهور صور الاعتقادات الحاصلة من ظهور صور الأسماء في نفوس الناظرين ( كالمرائي ) ، لكن لا تظهر فيها تلك المرائي لغنائها في نظره ، وإنما يظهر ما فيها من صور الاعتقادات ؛ لوجودها في الواقع بحيث تقوم بها تلك الصور ، وإليه الإشارة بقوله : ( فأي اسم إلهي نظرت فيه نفسك أو ) نفس ( من نظر ) من غيرك . ( فإنما تظهر في الناظر حقيقة ذلك الاسم ) دون حقيقة نفس الناظر لغنائها في نظره مع وجودها في نفس الأمر ، ( فلا تجزع ) فإن النظر في الاسم الإلهي لما أوجب فناء النفس يكون ذلك مانعا من الرؤية ، ( ولا تخف ) من إفناء نفسك بحصول هذه الرؤية من توهم أن إفنائها مخل بالرؤية القائمة بالنفس ، إذ يكفي لها قيامها في نفس الأمر لا في نظرك ، فإنه مانع من الرؤية ، فكن شجاعا في إفنائها من نظرك ، ( فإن اللّه يحب الشجاعة ولو على قتل حية ) ، وهو إشارة إلى إفناء النفس إذ ( ليست الحية ) التي تصير بقتلها محبوب الحق ( سوى نفسك ) التي بقاؤها في نظرك حاجب عن رؤية الحق ، وكيف هذا الإفناء إعداما للنفس ، وليس قتل الحية المشبه بها إعداما لها ، إذ المسيئ لا يقبل عن نفسه ، وإلا لصدق أن يقال : الحية ليست محبة ، وإن فسدت الصورة في الحس ، فليس ذلك إعداما لها من كل وجه ، فإن الحد بسطها ، ( والخيال لا يزيلها ) . ( وإذا كان الأمر ) أي : أمر الصور المتزايلة ( على هذا ) من عدم الزوال من كل وجه ، ( فهذا هو الأمان على الذوات ) التي ليس من شأنها العدم أصلا ، ( والعزة ) لها عن قول الغير ( والمنعة ) من التأثر ، وكيف تقدر على إفساد الصور بالكلية مع عجزك عن إفساد حدودها ، ( فإنك لا تقدر على إفساد الحدود ، وأي عزة ) للحدود ( أعظم من هذه العزة ) ، فإذا انضمت هذه العزة إلى عزة الذوات كانت في غاية العظمة ، ولكنك قد أمرت بقتل حية النفس ، وهي من الذوات المجردة التي لا صورة لها إلا في الوهم ، ( فتتخيل بالوهم ) عند إفنائها ( أنك قتلت ، وبالعقل والوهم لم تزل الصورة ) فضلا عن الذات ( موجودة في الحد ) . ( والدليل على ذلك ) أي : على كون الفاني في نظرك باقيا في الواقع وفي حس غيرك ، وفي الحد قوله تعالى : ( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ) ؛ فكيف تفني في الواقع الصورة المحمدية ؟ ( والعين ) الباصرة من الناس ( ما أدركت ) للرامي ( إلا الصورة المحمدية ) ، إذ هي ( التي ثبت لها الرامي في الحس ) ، وهذه الصورة المحمدية ( هي التي نفى اللّه الرمي عنها ) ، أو باعتبار فنائها ، ( ثم أثبته ) أي : الرامي ( لها وسطا ) لثبوتها